منتدى أطفال الخليج ذوي الاحتياجات الخاصة

منتدى أطفال الخليج ذوي الاحتياجات الخاصة (http://www.gulfkids.com/vb/index.php)
-   إبداعات أدبيـَّـة (http://www.gulfkids.com/vb/forumdisplay.php?f=14)
-   -   مقالات الدكتورة لانا مامكغ في صحيفة الرأي الاردنية (http://www.gulfkids.com/vb/showthread.php?t=1923)

dflp 03-30-2009 10:32 AM

مقالات الدكتورة لانا مامكغ في صحيفة الرأي الاردنية
 
مقالات الدكتورة لانا مامكغ في صحيفة الرأي الاردنية
من يومياته!

الجمعة: كيف سيبدو شكلي يا ترى حين أصبح في الصف السادس هذا العام؟ أتمنّى لو يظهر شاربي... إنّي أراقب نموّه كل صباح! ذهبت اليوم مع العائلة في نزهة، وليتني لم أذهب، أمضت أمّي وقتاً طويلاً في الاستعداد، وبقينا كلّنا ننتظرها، ثمّ وجدتها قد ارتدت ثوباً ضيقاً غير مريح، ورفعت شعرها على طريقة معلّمة الجغرافيا... لست أحب لا التسريحة، ولا المعلّمة! ولمّا سألها أبي عن سبب تأخّرها قالت أنّها تتوقّع أن تصادف بعض المعارف هناك، وتريد أن تبدو أنيقة... بصراحة، أحبّ أمّي غير أنيقة، في ملابسها العادية تبدو لي أجمل...

لمّا وصلنا، جلسنا كلّنا صامتين لمدّة طويلة، إلى أن لمحت أمّي إحدى معارفها، فتأفّفت وقالت لأبي أنّها لا تطيق هذه المرأة أبداً، وفيما هي تقول ذلك، كانت المرأة قد اقتربت من طاولتنا، فوقفت لها أمّي باسمة، وقبّلتا بعضهما بحرارة...

إنّي لا أفهم النساء! السبت: جاء رجال عند أبي، فسمعته ينادي ويطلب منّي أن أسلّم عليهم، فدخلت وسلّمت عليهم، وكنت أنوي الخروج بسرعة لأنّ موعد مسلسلي المفضل كان يقترب. لكنّه طلب منّي الجلوس، وصار الجميع ينظرون إلي ويسألونني عن المدرسة، الدروس والعلامات... كل الأسئلة السخيفة المحرجة إيّاها... وكان أحدهم بجانبي يقول أنّي أصبحت (عريس)... كم ضايقتني أسئلتهم، وكم كرهت هذا الرجل وربطة عنقه ذات المثلّثات المضحكة، ثمّ أنّه لا يعرف أنّي لا أحب كلمة عريس... فهو لا يعرف موقفي من المرأة!.

الأحد: كنت أشعر بملل شديد، فاقتربت من أبي بحذر وطلبت منه بعض النقود، فبدا أنّه سيغضب، عرفت ذلك من طريقة إطفائه لسيجارته. فهربت من أمامه. لكنّه ناداني فجأة ليعرض علي صنع طائرة ورقيّة، وقال أنّه سيساعدني في صنعها لأنّه خبير في هذا المجال، وقال لي قصّته المكرّرة عن عدد الطائرات التي صنعها في الماضي لرفاقه في الحي عندما كان طفلاً أموت وأتخيّله طفلاً! جلس أبي وبدأ بالطلبات: هات قصب، هات صمغ، أحضر لي ورق تجليد، أين المقص؟ اطلب لي قهوة من أمّك، اخفض صوت التلفزيون... وهكذا، وكان يغضب كلّما سألته سؤالاً، فصبرت حتّى انتهى منها، وكنت أنوي الصعود إلى سطح المنزل بها، حين وجدته سبقني ليقف أمامي ويبدأ بإطلاقها، فارتفعت بسرعة، وتمنّيت لو أنّه يعطيني بكرة الخيطان، ولم يفعل، إلى أن تجمّع من حولنا كل أولاد الشارع، وكان أبي يضحك بصوت عال، ويفخر أمام الأولاد وهو يرى الطائرة ترتفع... كان يظن أنّ الأولاد قد جاؤوا ليشاهدوا الطائرة، ولم يعرف الأخ أنّهم كانوا يراقبون حركاته هو، كان كرشه كبيراً، مع هذا كان يقفز من مكان إلى آخر فوق السطح... ودعوت الله لو تناديه أمّي أو أحد الجيران، أو تمطر الدنيا، أو تقوم القيامة فجأة، لقد أحرجني جدّاً أمام الأولاد، ثمّ أنّه نسي أنّه صنع الطائرة لي أنا ولعب بها هو...

أحسّ أحياناً أنّ أبي رجل غريب، وأكثر ما يضايقني حين يقولون إنني أشبهه، بصراحة، أعتقد أنني أفهم أكثر منه، فأنا على الأقل لا أدخن، وأعرف كيف أتصرف بتعقل . . .

أتمنى لو يزيد طولي قليلاً حتى أصارحه برأيي!.

الوهـــم!

قالت: لا أعلم كيف تعرفت به، وكيف دخل إلى حياتي وقلبي، لا أذكر المرة الأولى التي رأيته فيها، ولا المرة الأولى التي قلت له فيها إنني أحببته، أو التي قال لي فيها إنه أحبني... لا أذكر شيئاً من ذلك رغم أنني كنت أحفظه عن ظهر قلب... كنت أحفظ كل التواريخ... وكل التفاصيل الصغيرة منها قبل الكبيرة! وجاءت فترة حفظت فيها كل أغاني عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، والكثير من شعر الوجدانيات! كانت لقاءاتنا محدودة متباعدة، لكن حبنا كان بلا حدود... لذلك قررنا أن نتوج قصتنا العظيمة هذه بالارتباط السريع! ولما لمحت بالأمر للعائلة، تبين أن أبي كان ضد الفكرة، ضد ارتباطي بهذا الشخص تحديداً، ورغم محاولاتي المخلصة لفهم السبب لم أفلح، لنقل إنه لم يرتح له وكفى، ولم تنجح تدخلات والدتي، ولا حزني، ولا ألمي، كان أبي يقرأ كل بؤس العالم في عيني، لكنه لم يهتم ولم يغير موقفه.

وأضافت: وأثَّر رفض أبي في زيادة تعلقي به، واتفقنا على أن حبنا هو أكبر من كل العراقيل، وأنه خالد للأبد مهما ضاقت بنا السبل، وصرنا نبتدع المناسبات للالتقاء، وصرت أختلس الوسائل لمهاتفته، كان حديثاً سريعاً مضطرباً مبتوراً، لم يكن يهمني أن يقول شيئاً، كان يكفي أن نتواصل، فقد كان بالنسبة لي الحياة والمصير، فإما هو وإما الموت! لم تزد العبارات التي كنا نتبادلها عن بضع كلمات تعبّر عن الشوق والحنين، وأحياناً كان يختصر كل ذلك بمقطع من أغنية، أو بالصمت الذي يغني عن كل الكلام! وسكتت قليلاً ثم أضافت: وفجأة ودون سابق إنذار، صدمنا بوفاة أبي، كانت صدمة قاسية، واستسلمت لحزني عليه مدة طويلة، لكن بالمقابل كانت الفرصة قد سنحت أمامنا لتحقيق الحلم الجميل... الارتباط! وأصبحنا فجأة قادرين على الالتقاء بحرية ولأوقات طويلة، وللمرة الأولى صار بوسعي أن أسمعه يتحدّث، ويسهب ويعبر عن آرائه في مختلف الأمور.

وابتسمت لتضيف: وتدريجياً بدأت أكتشف أن اللغة بيننا مفقودة، وبدأت صورته تبهت أمامي وكل ما بداخلي يتوسل لها ألا تتغير! واكتشفت أن شيئاً في قلبي قد انطفأ تماماً... ليس هذا من أتمناه لي شريكاً، قد يصلح لأخرى لكن ليس لي أنا قطعاً! واختفت ابتسامتها وهي تقول: كان يمكن اكتشاف هذا ببساطة وبأقل قدر من الخيبة لو لم يتعنت أبي في موقفه، ولم يحرمني من مساحة من الضوء والحرية...

وأضافت بحزن: بعض الذين يحبوننا... وبدافع من الحرص يمارسون علينا وصاية خانقة، أو يفرضون علينا حصاراً رهيباً قد يدفعنا من حيث لا ندري لخيارات خاطئة، إن لم تكن مؤسفة للغاية!.

لو كانت رجلاً!

كانت تتحدث بحماسة واضحة عن مشاريعها القادمة، الأعمال، الدراسات، الهوايات، الأمنيات التي ستعمل على تحقيقها بالعمل المتصل والجهد المضاعف.

كانت تتحدث عن كل ذلك حين همست لها: وماذا عن الزواج يا عزيزتي؟ يبدو الموضوع غائباً عن ذهنك تماماً، مهما يكن، فدورة الحياة لا بد لها أن تكتمل.

فأجابت بتأن شديد: في هذا الشأن تحديداً، أتمنى لو كنت رجلاً! ودون أن تلحظ ذهولي، أضافت ببساطة: لو كنت رجلاً، لكنت تزوجت بسرعة ودون تردّد، كنت ارتبطت بواحدة من أولئك النساء الهادئات اللواتي يتقن كل ما يتعلق بإدارة البيت، ويقدسن وجود زوج في حياتهن.

في حالة كهذه، فالزواج سيوفر لي تسهيلات مريحة، وجبة يومية ساخنة مثلاً، منزلاً نظيفاً مرتّباً، أطفالاً أرى فيهم نفسي، ثم سلطة وسطوة...

قلت وقد بدأت أستطرف الموضوع: كيف؟ فقالت بالبساطة نفسها: سيسير كل شيء كما أرغب، فأنا حينها الرب الصغير... إذا لم يعجبني أمر ما، لن أتردد في الصراخ، وإذا ارتفع صوت الأولاد أسكتهم بنظرة واحدة إلى أمهم... وإذا لم تعجبني هي لسبب أو لآخر، أو خالفت رغباتي ومشيئتي، سأردد لها المقولة الشهيرة: الباب بيوسع جمل! وإذا خرجت فعلاً، ودبّت الفوضى في بيتي، سأعمل على أن أردها بألف طريقة جهنمية! ويمكن أن أستلقي متى شئت إذا شعرت بالتعب، ويمكن أن أغلق الباب على نفسي إذا شئت الخلوة أو التأمّل، كما يمكنني أن أصفق الباب نفسه فيما لو انتابتني نوبة غضب مفاجئة... هل جرّبت لذّة صفق الأبواب... إنها الوسيلة الأفضل لتفريغ شحنات الغضب... اسألي بعض الرجال! وأضافت دون أن تأبه لذهولي المتصاعد: ويمكن أن أشكو قليلاً بين الحين والآخر من أنها لا تفهمني... فأنطلق باتجاه علاقة ما تتصدى للرتابة والملل، لكن دون أن تمس هدوء المنزل واستقراره، ودون أن تؤثر على وزني الاجتماعي بين الناس! وتنهدت أخيراً لتقول: هل رأيت كيف أنّ زواجي مستحيل، لأني باختصار، لا أعرف كيف أكون تلك الزوجة التي سأحلم بها فيما لو كنت رجلاً!

الرجل الأجمل!


قالت: إذا تقدّم العمر بالفتاة دون زواج، فقد لا يعني هذا ندرة الفرص التي أتيحت لها بالضرورة، بل قد يعني كثرتها! قلت: كيف ذلك؟ قالت: تبدأ الحكاية برفض الأول فالثاني لسبب أو لآخر، ثم تتوالى السنوات ويزداد وعيها بالمقابل فتتعقد شروطها، ليصبح الرفض هو الأساس أمام تواضع المواصفات المتوفرة في المتقدمين...

قلت: وماذا يمكن أن تشترط الفتاة فيمن تختار سوى ما هو متعارف عليه من مزايا، مثل الثقافة، الأخلاق، الوضع المادي المقبول...

قالت: هذه شروط منطقية، لكنها غير كافية.

قلت: تقصدين إذن الحب، أو شيئاً من الانجذاب وغيره من الأمور الجميلة العصية على التفسير! قالت: حتى هذه ليست كافية، الحب فكرة... حالة مؤقتة... ولمعلوماتك، بعض الحب له تاريخ صلاحية... قد ينتهي في الشهر الأول، في العام الأول، في العقد الأول... لكنه ينتهي! قلت: هذا كلام مريع، لكنه مثير وجديد، ويدعو للتأمل حقاً.

قالت: وأنا لم أتوصل إليه إلا بعد تأمل طويل، لذلك دعيني ألخّص لك شرطي في الرجل الذي أختار.

قلت: تفضلي.

فاعتدلت في جلستها لتقول: من أسمح له بتولي مقعد القيادة في حياتي، يجب أن يكون سائقاً ماهراً، حاذقاً، يقظاً إلى حد يسمح لي أن أستغرق في غفوة مريحة وأنا بجانبه وكلي ثقة أنه لن يدخل بنا في حائط... أو يهبط بنا في واد! سائق يتعامل مع مطبات الحياة بهدوء وتوازن، يعرف متى يفترض أن يخفف السرعة، ومتى يجب أن يتوقف تماماً... يحترم الإشارات... ويفهمها! قلت: تبدين وكأنك مسؤولة في إدارة السير! قالت: الحياة الزوجية مثل رحلة في سيارة، صدقيني، بعض النساء يجدن أنفسهن خارجها فجأة في حادث مروع... لينطلق هو وحده نحو غابة بعيدة! وبعض الرجال لا يسمحون للمرأة ولو بإغماضة بسيطة خلال الرحلة، لأن نزقهم وتهورهم يدفعانها لأن تبقى متيقظة دوماً... واعلمي أن توق المرأة للاسترخاء والتقاط الأنفاس في مشوار الحياة، هو توق لا ينطفىء مهما أنجزت. لكن ذلك لا يتحقق لها إلا في كنف رجل قادر على تولي الأمور بنفسه وباقتدار، لأن حالة التنبه واليقظة الدائمة يقتلان في المرأة الشيء الكثير...

وأسوأ الرجال من يتركها هي تتولى القيادة لتدني كفاءاته... ويظل جالساً بجانبها يزعق ويثرثر ويحذر من مخاطر الطريق، الحقيقية منها والوهمية! قلت: وماذا عن أسوأ النساء؟ قالت: أسوأهن من تكتفي بالنوم طوال الرحلة... لأن المرأة الذكية هي التي تتهيأ لتولي القيادة إذا تعب هو! قلت: كلامك قد يثير غضب بعض النساء الشغوفات بمواقع القيادة...

قالت: حتى أولئك يحلمن برجل ما... لكن صدقيني، عند النساء عموماً، فالرجل الأقدر على توفير الأمان للمرأة، هو الأعظم والأجمل والأشد جاذبية... والأندر وجوداً!

ولا عزاء للرجال أحياناً!

كان صبياً حين استدعاه مدير المدرسة ذات صباح ليربت على ظهره أمام جمع من الأساتذة وأولياء الأمور، لكونه قد نال جائزة الطالب المثالي. فأحسّ لحظتها بالدم يتدفّق إلى وجنتيه، لكنّه عاد وتدارك الأمر حين أقنع نفسه بأنّ الخجل هو للفتيات، ولا يفترض به أن يكون خجولاً... فهو رجل! وفوجىء ذات مرّة بخبر وفاة جدته، فأحسّ بالهلع، وبالحزن يأكل قلبه، فانزوى بهدوء في أحد الأركان لا يدري ما يفعل. هنا اقترب والده منه ليهمس له بحزم: استعد لمرافقتنا في الجنازة ، وامسح دموعك هذه، البكاء لا يكون للرجال... وأنت رجل! وأحسّ بشعور غريب ذات يوم تجاه صبيّة ذات ضحكة خجولة كان يصادفها كل صباح وهو في طريقه إلى المدرسة، فكان يضطرب كلّما مرّ من أمامها، ويحس بحاجة شديدة لأن يقترب منها ويسمع صوتها، ويتأمّل ضحكتها أكثر. وعذبته أمنيته هذه لبعض الوقت إلى أن قرّر أخيراً أن ينسى أمرها تماماً، وأن يطرح ضعفه هذا الذي يكاد يلهيه عن دراسته وواجباته، فالضعف لا يليق بالرجال، وهو يجب أن يكون قويّاً دائماً... فهو رجل! ومرّت الأيام والسنوات، وكبر وحقّق نجاحاً علميّاً وعملياً بارزاً، وبدت له أحواله مناسبة للزواج، فتزوج بمن أجمعت العائلة على حسن أخلاقها ورصانتها...

وسرعان ما وجد نفسه أباً ومسؤولاً عن أطفال يتطلعون نحوه كقدوة وكمثل أعلى في العقل والوقار والحكمة...

وماذا بعد، هو يقف أمام المرآة هذه الأيام، فتطالعه بضع شعيرات بيض داهمت رأسه على حين غرة، فيشعر بانقباض، ثمّ سرعان ما يقرّر تجاهل ما رأى، ويقرّر أن الشباب في القلب، والعمر طويل، وعليه أن يبتسم للحياة... فيبتسم! عندها يشعر بالبلاهة، فيمضي مسرعاً هارباً متذرّعاً بالأعمال التي تنتظره...

وحدث ذات مرّة أن خرج مع زوجته للتسوق فمرّا في شارع مزروع بالأشجار الباسقة على جانبيه، كان الفصل خريفاً والهواء منعشاً، وأوراق الأشجار مهرجان من الألوان الحمراء والصفراء والبرتقالية... أحسّ بنشوة غريبة، فقال لزوجته فجأة: ما رأيك أن نركض سويّة حتى آخر الشارع! ولم ينس، ولن ينسى قط النظرة التي بدت منها... فصمت!.

ثمّ حدث ذات صباح أن سمع صوتاً جميلاً لطير يقف على شجرة أمام منزله، فتلصّص خارجاً بملابس النوم، ووقف تحت الشجرة مشدوداً يتطلّع إلى أعلى عساه يلمح شكل الطير وألوانه.

ثمّ أفاق على صوت زوجته تتساءل بجزع عن سبب وقفته العجيبة تلك، فانتفض في مكانه، وتنحنح ليقول لها بنبرة رسميّة: إنّي أفكّر في عمل بحث عن الطيور المهاجرة... بحث علمي بحت! هذا كلّه لا يهم، المهم أن في قلبه حتى اليوم حنيناً غامضاً للصبايا ذوات الضحكات الخجولة... يصادف إحداهنّ أحياناً، فيخفق قلبه برعونة، وتنساب بأذنيه موسيقى حالمة، ويرى الدنيا تعبق برائحة الربيع، وبفراشات الحقول... وهكذا إلى أن يصحو على صوتها وهي تخاطبه بلقب (عمّو...).

فيعاوده الانقباض إيّاه، ويشعر برغبة في أن يبكي بحرقة... فيعدل حين يتذكر أنّ البكاء لا يليق به لأنّه رجل... هنا، يجد نفسه يكاد يبكي من جديد!

شعار

تنهّد ثم قال: أيام الحرية الجميلة... خلال عزوبيتي، كنت أسعى لتحقيق أقصى استفادة من تلك الحرية قبل الزواج والارتباط، ولا أخفيك أني عشت حياة أقرب إلى العبث، لذلك، ومن تجاربي النسائية تلك، صمّمت على أن أرتبط بإنسانة أهم ما يميزها الاستقامة، والاحترام، والأخلاق، قلت: حسناً وما هي المشكلة إذن؟ قال: المشكلة هي في اكتشافي أن الأخلاق وحدها ليست كفيلة بإيجاد لغة مشتركة بين شريكيّ حياة، يعني هي خلوقة مستقيمة، وبلا ماض من أي نوع، لكن هذا لم يكفني ولم يشعرني بأني أحسنت الاختيار.

وأضاف دون أن ينتظر تعليقاً: أعلم أن الحل صعب، ساعديني فقط على فهم ما حدث، لماذا لم أحقق الاستقرار والراحة التي أنشد؟ قلت: ربما نختار ونرتبط أيها العزيز ضمن ظروف معينة، ومن منطلق حاجات نفسية أو مادية محددة، ثم وبعد ملء هذا الشاغر المعين، تكتشف أن الحياة المشتركة تحتاج إلى أكثر من ذلك.

قال:لم أفهم ماذا تعنين؟ قلت: في حالتك مثلاً، وفي ظل تجاربك مع نوع أو مستوى معين من النساء، كان هاجسك في الشريكة هو الجانب الأخلاقي فقط، ولم تنتبه إلى أن للحياة المشتركة ركائز ومقومات وشروطاً أخرى عديدة.

قال: إذا كان ذلك هاجسي أنا، فما هي هواجس الآخرين في خياراتهم الخاطئة؟ قلت: أمثالك عديدون، ولا يخلو الأمر من دوافع أخرى، فهناك من يبحث عن صورة الأم في الشريكة إذا تعلق بوالدته بشدة وبشكل مرضي، وهناك حالات زواج تحدث بين اثنين على شكل رد للجميل، أو على هيئة رسالة شكر إذا خدم أحدهما الآخر في ظروف معينة.

كما أن الحاجات النفسية غير المشبعة قد تفسر ارتباط الفتاة التي افتقدت الأمان في طفولتها بمن تتمثل به صورة الأب أو الشقيق الأكبر.

وتستطيع أن تتخيل بسهولة كيف أن هاجس الرجل الأرمل أو المطلق يكون متركزاً على من ترعى الأبناء وتحنو عليهم، ربما قبل أن يسأل نفسه إن كانت شريكة مناسبة له هو، وقس على ذلك حاجات ودوافع أخرى عديدة ومختلفة.

قال: ولماذا تبرز المشكلة إذن؟ قلت: لأنها في معظمها حاجات مرهونة بزمن أو بظرف أو بحاجة محددة، سرعان ما تشبع لتبرز حاجات أخرى يقصر الشريك المختار ويعجز عن تلبيتها، هذا إذا افترضنا أنه لبّى الحاجة الأولية أصلاً! قال: هذا يعني فشل مؤسسة الزواج عموماً.

قلت: نعم إلا إذا رفعنا شعار... افهم نفسك قبل أن تتزوج! قال ضاحكاً: هذا شعار أكثرتعقيداً من الفحص الطبي قبل الزواج...

قلت: بالتأكيد لأن الفحص الطبي قبل الزواج قد يساعد على الحد من إعاقات الأطفال، وهذا رائع، لكن افهم نفسك قبل أن تتزوج قد يكون كفيلاً بالحد من سنوات طويلة ثقيلة من البؤس في عمر هو أقصر مما نتصور!

بعض الرجال فقط!

سألتني باهتمام: هل تذهبين إلى الحدائق العامة، أو مدن الملاهي المنتشرة في العاصمة؟

قلت: لا، يمنعني ضيق الوقت في الغالب.

فقالت: أتمنى لو تتفرغين للمرور على بعضها ذات أمسية لترصدي الطريقة التي يتصرف فيها الرجال هناك، والآباء منهم تحديداً!

وأضافت بسرعة: المشهد يتكرر دائماً هو، الأب يجلس مسترخياً يشرب الشاي أو يدخّن أو يتحدّث مع آخر، في حين ترين الأم تركض وحدها وراء الأولاد، هذا يريد أن يتأرجح... والآخر يمد ذراعه باكياً باتجاه لعبة أخرى، والثالث يصرخ يريد ماء أو يحتاج للذهاب إلى الحمام... فيترتب على الأم أن تلبي كل هذه الرغبات دفعة واحدة وبمنتهى الهدوء والتماسك دون التسبب في أي إزعاج للزوج الكريم الذي يكفي أن تفضّل باصطحابهم خارج البيت! صمتت قليلاً ثم أضافت: لما نتحدّث بإعجاب عن الرجل الغربي، يحسب رجالنا أنها قضية جاذبية أو وسامة أو غيره من الترهات.

حين أتأمل رجال الحي عندنا في أمسيات الصيف، حين أرقبهم يتهادون بالدشاديش في الطرقات، أو يحتسون القهوة على الشرفات وعتبات المنازل، حين أراهم يقضون الساعات الطويلة في رخاوة وفراغ، تقفز إلى ذهني صورة الزوج الغربي. ذلك الذي يستحيل أن نراه يجلس هكذا يتأمل الفراغ على شرفة منزله، أو يترك مسؤولية الأولاد للزوجة المنهكة.

فهو إما أن يقرأ... أو يُصلح بعض الأشياء في المنزل، أو يركض، أو يلاعب أطفاله دون حرج ودون ادّعاء لوقار زائف!

وكنت أهمّ بالتعليق حين أضافت: أعلم، أعلم جيداً أنها ظروف مختلفة، وثقافة أخرى، وحياة ذات نمط مُغاير تماماً، لكن كل هذا لا يمنع من أن نقتدي بالجميل والنبيل والإنساني والإيجابي فيما يفعلون...

وبعد، أحسب أني نقلت رأي الأخت الكريمة بأمانة لأطمئن على استقرار الكرة في مرمى بعض الرجال!

فـي المنطقة الرمادية..

كان حريصاً على تلبية طلباتها، وإحضار لوازم البيت بشكل لا يدع لها مجالاً للشكوى، ولم يكن يفوته ترديد بعض عبارات الثناء بين الحين والآخر على مظهرها أو طهوها أو طريقة إدارتها للمنزل. وكان يصمت أمام حالات غضبها على الأطفال، فيتركها تصيح بهم وتحاسبهم دون أي تدخّل، احتراماً لرأيها ولموقفها.

وكان قد اعتاد على مرافقتها في كل المناسبات الاجتماعية التي تخص عائلتها وأقاربها، وكان يبذل أقصى ما في وسعه للقيام بمثل هذه الواجبات بالطريقة اللائقة.

ولم ينس ولا مرّة تاريخ عيد ميلادها، أو ذكرى عيد زواجهما، فكان يحمل لها ما يستطيع من هدايا في كلتا المناسبتين وبشكل منتظم وعلى مدار سنوات ارتباطهما.

وفهم كل طباعها، واحتوى كل حالاتها... وعاش معها حياة وادعة... هادئة... مسالمة.

ولكن لم يكن ليخطر بباله أنّها وفي اللحظات التي كانت تنفرد فيها بنفسها، كانت تمسح دمعة تأبى ألا أن تفر عنوة من عينها حين تشعر بالافتقاد الشديد لأي طعم للسعادة! بالمقابل، فهي لم تكن تثقل عليه أبداً بطلبات تعرف أنّ ظروفه المادية ستحول دون تلبيتها، وكانت تعرف أي أصناف الطعام يفضّل، فلا تتجاوزها إلا فيما ندر، ثم لم يحدث إن نسيت بدورها المناسبات الخاصة به أو بأهله. فكانت تحرص على القيام بما يلزم إزاءها.

ولم تهمل يوماً العناية بملابسه ومظهره، وكانت تحترم فترات راحته وعمله، وكثيراً ما كانت تنسحب بهدوء حينما تلاحظ أنّه مستغرق في قراءة صحيفته أو في مشاهدة برنامجه المفضّل على الشاشة الصغيرة، فتشغل نفسها في بعض أعمالها أو تلجأ للقراءة بدورها.

ولم يحدث أن اختلفا في شؤون ميزانيّة البيت أو تربية الأولاد، كل شيء كان يسير بكمال وإتقان ومثالية إلى أقصى الحدود... كان الهدوء ثالثهما! رغم هذا، فقد كانت غافلة تماماً عن أنّه وفي اللحظات التي كان ينفرد بها إلى نفسه، كان يستسلم لشعور ثقيل وحاد بالوحدة!

انسحاب!

كتب إليها يقول: بعد تردد طويل، قررت الكتابة وأنا أعلم أنها المرة الأولى التي ألجأ فيها إلى هذه الوسيلة للتعبير عما في نفسي أمامك، أما السبب، فهو أني لن أجرؤ على التفوه بكلمة واحدة مما سأكتبه هنا إذا واجهتك... هل أفاجئك بهذا؟ لم يعد يهم، فما يجب أن تعرفيه هو أني لست بالشجاعة التي تعتقدينها...
أيتها الرائعة، حين تعرفت إليك، لم أصدق نفسي، لم أصدق بأني أقترب من كل هذا الذكاء وهذه الشخصية وهذا الألق... وبهرت بك فعلاً، وحلمت بمستقبل مشترك معك فعلاً، تخيلتك شريكة حياة وأماً لأولادي، لكن تبيّن أنّك أكبر من حجم الحلم وأعظم! لقد درستك مطوّلاً، ورصدت كل ردود أفعالك تجاه معظم المواقف، رأيتك تتحدثين مع نساء... ومع رجال... مهلاً، هنا بدأت المشكلة بالتبلور، من هنا وضعت يدي على مصدر رعبي الحقيقي، أن بك ما يجعل الرجل يحسب لك ألف حساب، هناك توقّد وسرعة بديهة وقوة من نوع خاص، فلقد رأيتك تخطفين الانتباه والاهتمام في معظم الجلسات التي جمعتنا بآخرين، لا، ليس بطريقة بعض النساء، فأنت لست من النوع المؤرق بمظهرها ونظراتها وابتسامتها وغيرها من الشكليات الأنثوية العتيدة إن جاز التعبير، بل إن أول ما يقرؤه الرجل في ملامحك هو أكثر قليلاً من المنسوب الآمن بالنسبة له... وأصدقك القول، لطالما بحثت عن لمحة ضعف في صوتك أو عينيك أو التفاتاتك فلم أجد... ولم يحدث أن عدت من رحلة البحث المضنية هذه إلا بانطباع واحد، هو أنك امرأة ممعنة في استقلاليتك إلى حد يستحيل فيه أن أشكل ملاذاً ما بالنسبة لك كما أتوق لأن أكون! هل دهشت مرة أخرى؟ أرجوك لا تفعلي، سأوضّح: قد يُعجب الرجل بامرأة ما، قد يذهل بثقافتها وسعة أفقها، لكن هذا لا يحول دون ميله الفطري لأن يشعر ببعض التميّز، حتى ولو كان شعوراً زائفاً... وأنت تسحبين من داخله هذا الميل ببساطة وسرعة، وهذا خطير... خطير أيتها الباهرة، وإليك الأسباب: نحن، أعني الرجال، نعيش مرحلة نكوص وانكسار وترد على مختلف الصعد، ونحتاج إلى المرأة التي تذكرنا بأن معاني البطولة والفروسية وقيمها ما زالت هناك، لكنها في إغفاءة مؤقتة... نحن بحاجة أيتها الذكية إلى من تقول لنا دون كلام بأن طاقاتنا وقدراتنا هي أكبر وأعظم وأسمى من مجرد هذه اللعبة المجنونة، والدوران العابث وراء الرزق والرغيف! وأنت لا تملأين بي هذه الحاجة، ولست معنية بملئها عند أي رجل، لأنك واقعية وعقلانية ومنطقية إلى حد قاس مما قد يؤهلك لأن تكوني (صديقاً) رائعاً... لا زوجة نموذجية! وأخيراً، اعذريني وسامحيني، وحاولي أن تتفهمي سبب انسحابي... وإذا عجزت حاولي أن تتفهّمي المرحلة... أرجوك!
مع كل اعتزازي...

الدكتورة لانا مامكغ
الرأي 15\6\2008


يُقال إنّ قصّة الحب التي عاشها الفيلسوف "بيرتراند راسل" وزوجته "دورا" كانت مشوبة بالكثير من العواصف وقضايا الهجر والغدر والخيانة المتعمّدة... مسلسل من الآلام لكليهما إلى أن عرف فيما بعد أنّه لم يحب سواها، وعرفت هي لاحقاً أنّها لم تحب أحداً غيره! وكذلك القصّة المشهورة التي جمعت بين الشاعر الأندلسي ``ابن زيدون``، والمرأة التي عذبته طويلاً ``ولاّدة بنت المستكفي``، فقد أمعن كل منهما في تعذيب الآخر إلى أن تبيّن بعد فوات الأوان أنّ ابن زيدون لم يحب إلا ولاّدة، وهي لم تعشق غيره رغم كل ادّعاءاتها بحب آخرين! نستشف من هذه الحكايات أنّ الإنسان قد يخوض تجربة الحب الحقيقي دون أن يدرك قيمة هذه التجربة، فيعرّضها للمقامرة والمغامرة ولعبة الشد والرخي حتّى يستنزف طاقة الآخر على الاحتمال، ويترك أحلى تجارب حياته وأثمنها نهباً للرياح، ولقمة سائغة لغول النزق! ولست مع من يقول إنّ في كل حب شيء من الكراهيّة، بل قد أعزو هذا الشعور السلبي الذي يترافق مع الاندفاع الجامح تجاه من نحب، إلى رغبة دفينة غير معلنة في التمرّد على حالة الاستسلام التام للآخر، إنّها غريزة الاستقلال، والخوف من حالة الضعف التي يفرضها الحب، إنّها الذعر من الحاجة الملحّة الدائمة إلى من نحب، ومن التوق الذي لا ينتهي لامتلاك الآخر كلياً، فهذه كلّها مشاعر فطريّة غريزيّة في المحبّين لا نملك أن نتنكّر لها مهما ادّعينا أنّ الحب حالة حضاريّة، عقليّة عاطفيّة، تقتضي الاعتراف بحق الآخر في التفرّد والحرية.


ولأنّ الذين نحبّهم هم أكثر الناس معرفة بنا، فهم الأقدر على إيذائنا... ثمّ إنّ ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنّك قد تحتمل أذى الآخرين برحابة صدر وحلم حيناً، وبلا مبالاة حيناً آخر، في حين أنّ أدنى محاولة للأذى ممّن تحب، كفيلة بأن تميد الأرض من تحت قدميك! إنّها خصوصيّة علاقة الحب العميقة التي تحمل ثُنائيّة الشفافيّة والقوّة معاً، تلك الخصوصيّة التي نُخطىء في فهمها أحياناً فتدفعنا الرعونة حيناً، أو التعنّت والعنجهيّة، أو ربّما الحكمة حيناً آخر، إلى أن نصفق باباً نضطر إلى طرقه لاحقاً بحتميّة أكيدة! تحضرني عبارة برنارد شو حين قال: "في حياة كل منّا مأساتان، أوّلها حين يفتقد الحب، وثانيها حين يجده!!" وأقول: وقد تتبعهما مأساة ثالثة، وهي أن يجد الحب الحقيقي فيستهين في تقديره... ويجعل منه لعبة مجنونة لا تورّثه سوى حزن مقيم قد لا ينتهي إلا بالموت!
اعتذار...



د. لانا مامكغ

لصعوبة رؤيتها عن كثب، ولأنّي ضد مبدأ الأقفاص بشكل مطلق، ولأنّ العصافير كائنات تستحق التأمّل...

أثرت وضع طاولة مكتبي قرب إحدى النوافذ مباشرة، وبدأت باجتذابها بنثر بعض فتات الخبز كل يوم على الحافة الخارجيّة للنافذة، ثمّ ومع ارتفاع درجات الحرارة مؤخّراً أضفت لمائدتهم وعاء من الماء، لذا فهي تقترب كثيراً، حتّى أكاد ألمسها- لو أجرؤ- وتأكل وتشرب بأمان واضح، حيث لم أعد أضطر إلى كتم أنفاسي كما كنت أفعل في الأيّام الأولى، إذ تتوطّد صداقتنا كل يوم، وصار لي أن أدّعي أنّ أوزانها قد ازدادت قليلاً، وإن زقزقتها قد علت واكتسبت موسيقى جديدة!

وحدث أن اكتشف ابن جيراننا الصغير هذه التظاهرة العصفورية قرب نافذتي، فضبطته ذات يوم يعد العدّة لاصطياد بعضها، وطار صوابي، واحترت في الطريقة التي أمنعه بها من اقتراف فعلته، ثمّ قرّرت أن أجرّب مبدأ الحوار، فدعوته إلى الداخل للحديث، ودخل متردّداً وعينه ما تزال- إمعاناّ في إغاظتي- هناك... على العصافير!

وكانت جلسة طويلة، تحدّثنا فيها عن أشياء كثيرة، وأخذتني الحماسة أمام إصغائه، فاستدرجته للتفكير في كل ما يتعلّق بالقوّة والضعف... وبالخير، وبالجمال، واستمع لي باهتمام، ثمّ خرج مطرقاً! فودّعته بوقار... ثمّ عدت لأطلق صيحة فرح، وقفزت في مكاني كالأطفال... كنت مزهوة بما أنجزت!

ولم أصادفه منذ ذلك اليوم، إلا مؤخراً، وكان يلعب بكرته، التي تصادف أن ارتطمت بجذع شجرة هنا، فوجئت به يركض نحوها- نحو الشجرة- ويقترب منها ليلمسها بحنو عجيب ويقول: آسف، أنا آسف، لم أقصد!

ولم أعرف أيّ لون من المشاعر اجتاحني، أهو الفرح، أم الإشفاق، أم الندم... وكدت أن أدعوه مرّة أخرى، لأقول له بكل صيغ الاعتذار في العالم: أنا من يجب أن تأسف، لم أقصد أن أزرع فيك هذا القدر من الحب فالحياة لا تحتمله، ولا تتّسع لكل هذه الرهافة يا صغيري، ولا لهذا القدر من النقاء...

أي تعب ينتظرك حتى تتمكّن من التنازل عن براءتك الأولى هذه، وأي ضريبة يجب أن تدفع حتى تغلّف وجدانك من جديد بقدر من التلبّد والبرود واللامبالاة، فتنخرط مع الجموع متسلّحاً بهويّة الانسانيّة الحديثة! حيث ستتعلّم كيف أنّ الحزن يجب أن يكون بمقادير، والحب كذلك، وسترى كيف سيرسم لك آخرون متى وكيف تحزن، ومتى ومن ولماذا تحب، وسيتوجّب عليك أن تفقد القدرة على الدهشة، والقدرة على الرفض... والقدرة على كل هذا الحب.

وقد تضطر بدافع ما يسمى بالترفع عن الصغائر، والتهذيب المقيت، للتخلّي عن بعض حقوقك الصغيرة، لتصحو فجأة على فقدان حقوقك الأساسيّة!

وستمضي في حياتك مفتعلاً الابتسام، في حين تتوق للنحيب، وقد تتقن فن التنظير في كل الأمور في حين تدرك جيّداً بأنّ الرؤيا متعذرة، والأجواء ضبابيّة غائمة، وشمس الحقيقة خجلى متوارية خلف عقلك المتثائب ما بين الغيبوبة والأخرى!

وبعد يا صغيري، إنّ في هذا العالم من البلادة والبشاعة والقسوة، لو قدّر للعصافير أن تشعر بها، لغادرتنا إلى غير رجعة!



dflp 04-21-2009 08:30 AM

بدافع ما يسمى بالترفع عن الصغائر، والتهذيب المقيت، للتخلّي عن بعض حقوقك الصغيرة، لتصحو فجأة على فقدان حقوقك الأساسيّة!

وستمضي في حياتك مفتعلاً الابتسام، في حين تتوق للنحيب، وقد تتقن فن التنظير في كل الأمور في حين تدرك جيّداً بأنّ الرؤيا متعذرة، والأجواء ضبابيّة غائمة، وشمس الحقيقة خجلى متوارية خلف عقلك المتثائب ما بين الغيبوبة والأخرى!

وبعد يا صغيري، إنّ في هذا العالم من البلادة والبشاعة والقسوة، لو قدّر للعصافير أن تشعر بها، لغادرتنا إلى غير رجعة!

الصحفي الطائر 04-21-2009 11:44 AM

http://gulfkids.com/images3/musharakah (1).gif

قيس العدواني 05-24-2011 01:38 PM

عنجد دائما روعه يادكتوره لانا


الساعة الآن 08:57 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd

a.d - i.s.s.w